السيد محمد حسين فضل الله

284

من وحي القرآن

مع أهل الكتاب في بعض أعمالهم وأفكارهم في أجواء هذه الآيات حديث عن تاريخ أهل الكتاب في إطار الحديث عن الحواجز التي تحول بين الإسلام وبين الانطلاق بعيدا في حياة الآخرين من خلال مؤامرات اليهود وانحرافهم وتعقيدهم ضد كل الرسالات التي لا تحقق لهم ما يريدونه لأنفسهم من امتيازات وتمنيات وأطماع ، بل تعمل على أن تحقق للحياة وللمستضعفين فيها ، الفرص الطيّبة التي تهيئ لهم سبل الكرامة والنمو والرخاء ، فهم لا يوافقون على ذلك ، فقد تحوّل الكتاب عندهم إلى ما يشبه الميزة القومية ، التي لا تغني لهم شيئا إلّا بمقدار ما تضيف إلى رصيدهم من امتيازات ذاتية في مقابل الشعوب الأخرى . وبهذه النفسية المعقدة واجهوا الرسول محمدا صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في رسالته كما واجهوا بقية الرسالات والرسل ، فقد انطلقت كل الرسالات لتقودهم إلى كتاب اللَّه ، ولكنهم وقفوا جميعا ليحتفظوا بالكتاب كتراث وميزة ومصدر تجارة واستغلال وابتزاز وتأكيد للشخصية المستعلية التي تعتبر نفسها من شعب اللَّه المختار ، وتلك هي قصة الصراع بينهم وبين النبيين والذين اتبعوهم ممن يأمر بالقسط ، إنه الصراع بين التجارة والرسالة ، وبين الشكل والمضمون ، وهذا ما جمّد اليهودية عن الانطلاق في الحياة كدعوة ورسالة تدعو الآخرين إلى اعتناقها والدخول فيها ، بل حاولت أن تغلق الباب على الذين يدخلون فيها ، وتحوّلت إلى قومية تبحث عن اليهودية في نقاء الدم وفي صفاء النسب بعيدا عن الجانب الفكري والعملي . وقد أنزل اللَّه آياته على رسوله ، ليعالج هذا الوضع المعقّد ، بالحديث عن التاريخ الدموي الإجرامي لهؤلاء الذين يتظاهرون بالسلام والرحمة والقيم الروحية في الحياة من أجل الخداع والغش والحيلة والمكر ، وبالتأكيد على